محمد طاهر الكردي

399

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

منزلة عند اللّه لما ثبت في الصحيحين من أنه يدخل الجنة من جميع أبوابها كما تقدم لنا في هذا الكتاب مع تبشيره بالجنة كسائر من بشر بها ، ودفنه مع النبي صلى اللّه عليه وسلم في مكان واحد ، ومنها محبة أبي بكر للنبي صلى اللّه عليه وسلم وأدبه معه وإيثاره له على نفسه ، ومنها أدب الأكل والشرب واستحباب التنظيف لما يؤكل ويشرب . ومنها استصحاب آلة السفر كالإداوة والسفرة ولا يقدح ذلك في التوكل . ومنها جواز شرب اللبن الذي يحلبه الراعي للمسافر إذا جرت العادة بالمسامحة فيه كما هو عادة العرب في ذلك الزمن . وفي فتح الباري قال المهلب بن أبي صفرة : إنما شرب النبي صلى اللّه عليه وسلم من لبن تلك الغنم ؛ لأنه كان حينئذ في زمن المكارمة ، ولا يعارضه حديث : « لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه » ؛ لأن ذلك وقع في زمن التشاح ، أو الثاني محمول على التسور والاختلاس ، والأول لم يقع فيه ذلك ، بل قدم أبو بكر سؤال الراعي : هل أنت حالب ؟ فقال : نعم . كأنه سأله هل أذن لك صاحب الغنم في حلبها لمن يرد عليك ؟ فقال : نعم . أو جرى على العادة المألوفة للعرب في إباحة ذلك ، والإذن في الحلب على المار ، ولابن السبيل . فكأن كل راع مأذونا له في ذلك . وقال الداودي : إنما شرب من ذلك على أنه ابن سبيل وله شرب ذلك إذا احتاج ، ولا سيما النبي صلى اللّه عليه وسلم . وأبعد من قال إنما استجازه ؛ لأنه مال حربي ؛ لأن القتال لم يكن فرض بعد ، ولا أبيحت الغنائم . وللمالكية في هذه المسألة تفصيل منسوب للخمي نظمه صاحب سلم القضاة إلى منازل نوازل الرعاة . من علماء قطرنا بقوله : سقى الرعاة من لقوا من لبن * مرعيهم مالك لا يعجبن يريد يكره إذا ما غلبا * إباحة الناس لما قد حلبا وليس يكره ولكن يحرم * إن كان لا يبيح أكثرهم وإن أباحوا لبن المرعى * لم يكره التفصيل للخمي وحديث المتن كما أخرجه الشيخان أخرجه الترمذي في كتاب التفسير من سننه . انتهى كل ذلك من زاد المسلم .